الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
369
نفحات القرآن
أمّا في ما يخص العقوبات الأخروية فالمسألة أعمق من هذا بكثير ، فالآثار التكوينية للأعمال ونتائجها بالغة الأهميّة وقد تبقى ملازمة للإنسان إلى الأبد ، بل إنّ ذات العمل ( كما ذكر في موضوع تجسّد الأعمال ) يتجسد أمام الإنسان وبما أنّ ذلك العالم خالد ، فإنّ الأعمال الصالح منها والطالح تبقى خالدة مع الإنسان وتكون وسيلة إمّا لشقائه أو لسعادته . وقد ذكرنا سابقاً أنّ ثواب وعقاب يوم القيامة يتصف بالآثار التكوينية وخواص العمل الذي أتى به الإنسان في الدنيا ، كمايقول القرآن الكريم : « وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَاعَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّاكَانُوا بِهِ يَستَهزِئُونَ » . ( الجاثية / 33 ) وجاء في قوله تعالى : « وَلا تُجْزَونَ إِلَّا مَاكُنتُمْ تَعمَلُونَ » . ( يس / 54 ) وورد نفس هذا المضمون مع قليل من الاختلاف في آيات أخرى عديدة . وبناءً على هذا لا يبقى هناك أي مجال لطرح هذا التساؤل وهو : لماذا لم يؤخذ بنظر الاعتبار التناسب بين الذنب والعقوبة ؟ ينبغي أن يحلّق الإنسان في سماء السعادة بجناحي « الإيمان » و « العمل الصالح » لينال نعيم الجنّة الأبدي ولذّة القرب الإلهي ، فإن كان قد كسر جناحيه في لحظة من لحظات المجون أو خلال المائة سنة التي قضاها في هذه الدنيا ، فعليه أن يعيش إلى الأبد في الذلة والشقاء ، فالقضية هنا ليست قضيّة الزمان والمكان وحجم الجريمة ، بل هي قضية العلة والمعلول ، آثاره قصيرة المدى وبعيدة المدى ، فقد يكفي عود واحد من الثقاب لاحراق مدينة بأكملها ، وقد يؤدّي غرام واحد من بذور الشوك إلى تغطية صحراء واسعة بالأشواك بعد مدّة وجيزة ويكون سبباً دائمياً في ايذاء الإنسان ، كما قد تكفي عدّه غرامات من بذور الورد إلى تغطية صحراء شاسعة بأجمل الورود واشذاها رائحة تفوح منها العطور فتملأ النفوس والقلوب بهجة وارتياحاً . فإن قال قائل ما التناسب بين عود الثقاب وإحراق مدينة بأكملها ؟ وما العلاقة التناسبية بين عدّة بذور من الشوك أو من الورد وبين الصحراء الفسيحة ؟ فهل هذا السؤال منطقي ؟ من المؤكد ، كلّا .